القاضي التنوخي
188
الفرج بعد الشدة
قالوا : انهزم ودخل إلى بلاد الرّوم . قال : وأين عضد الدولة ؟ قالوا : بالموصل ، وهو ذا نحملك إليه مكرّما . فسجد حينئذ ، وبكى بكاء شديدا ، ثمّ حمد اللّه ، فأرادوا فكّ قيوده فقال : لا أمكّن من ذلك ، إلّا أن يشاهد حالي الملك . فحمل إلى الموصل إلى عضد الدولة ، فرأيته وقد أصعد به مقيّدا من المعبر الّذي عبر فيه في دجلة ، إلى دار أبي تغلب الّتي نزل بها عضد الدولة بالموصل ، وكنت أنا - إذ ذاك « 14 » - أتقلّدها له وجميع ما فتحه ممّا كان في يد أبي تغلب مضافا إلى حلوان « 15 » ، وقطعة من طريق خراسان « 16 » ، فرأيت محمّدا يمشي في قيوده ، حتّى دخل إليه فقبّل الأرض بين يدي عضد الدولة ، ودعا له ، وشكره ، فأخرج إلى حجرة من الدّار ، فاخذ حديده « 17 » ، وحمل على فرس فاره بمركب ذهب ، وقيّد بين يديه خمس دواب بمراكب فضّة [ مذهبة ] « 18 » ، وخمس بجلالها ، وثلاثون بغلا محمّلة مالا صامتا « 19 » ، ومن صنوف الثياب الفاخرة ،
--> ( 14 ) في السنة 367 . ( 15 ) حلوان : بضم الحاء ، اسم لأماكن عدّة ، منها حلوان العراق ، وهي آخر حدود السواد مما يلي الجبال ، وكانت رابع مدينة عراقية في السعة والعمران ، بعد بغداد ، والبصرة ، وواسط ، ( مراصد الاطلاع 1 / 418 ) أقول : هي الآن بليدة اسمها كرند ، في داخل حدود إيران . ( 16 ) طريق خراسان : أنظر التفصيل في آخر القصّة . ( 17 ) يعني : كسرت قيوده . ( 18 ) الزيادة من م . ( 19 ) في ظ : مصمتا ، والتصحيح من م وغ ، والمال الصامت : الذهب والفضّة ، وإنّما سمّي صامتا ، لأنّ الأموال الأخرى من الخيل والإبل والبقر والغنم ، تصهل ، وترغو ، وتخور ، وتثغو ، وقد حدّثونا عن قائم مقام في قضاء الهندية في العهد العثماني ، جاء إليه أعرابيّ بعشرين كبشا رشوة ، فانقض عليه بالسوط ، وهو يصيح : لا أريد برطيلا ( رشوة ) يصيح : ماع ، يريد أنّه يريد مالا صامتا يودعه الكيس .